Paramètres thème

Layout Mode
Couleur de thème
Choisissez vos couleurs
Couleur de fond:
Réinitialiser
الرسالة التدمرية : مقدمة المترجم

الرسالة التدمرية : مقدمة المترجم

هل كان أفلاطون مسلما ؟

نظرية الأفكار ومسألة الأسماء والصفات بين أفلاطون وابن تيمية

هذا المقال يعتبر في الحقيقة ترجمة من الفرنسية للعربية لمقدمة الرسالة التدمرية لبن تيمية والتي ترجمها للفرنسية المستشرق المعروف هنري لوست سنة 1939 ثم أعادت ترجمتها دار نوى سنة2017 

مقدمة المترجم

هذا الكتاب الذي نعرضه للجمهور الناطق بالفرنسية يعتبر زبدة فكر ابن تيمية لسببين   

المضمون: لأنه يعالج مباشرة موضوعا شائكا وحاضرا بقوة في كتاباته ألا وهو الجدل القائم حول أسماء وصفات الله، والذي قسم مختلف التيارات الإسلامية في عصره

الشكل: لأن ابن تيمية استعمل في أطروحته هذه ، أساليبه البلاغية والمنهجية التي كانت اضافة لهذا العمل -
     بخصوص المضمون: للوهلة الأولى يمكننا أن نعتقد أن هذا النزاع هو شكلي لكن ابن تيمية استطاع أن يبين أهمية وخطورة المسألة بتعريفه للسبب الأصلي الذي دفع مؤيدي التيارات الفلسفية والباطنية والعقلية للاحتجاج على وصف الله في القرآن والسنة، هذا السبب هو "نظرية الأفكار" لأفلاطون. وحتى ولو أنه لم يذكره بالاسم في هذا الكتاب إلا أن ابن تيمية كان يشير دوما لأفكاره ولمختلف التيارات ، في العالم الإسلامي ، التي ألهمتها هذه المدرسة.

فالنسبة لأفلاطون فإن العالم الحقيقي ليس إلا تمثيلا أو إسقاط لعالم أعلى وأسمى منه ألا وهو عالم الأفكار. فأفلاطون أعلن أن الأفكار والمفاهيم موجودة حقيقة وهي أسمى من الواقع المحسوس ، هذا الأخير ليس إلا مجرد تمثيل أو إسقاط : فالأمر هنا يتعلق بالتفرقة بين عالمين عالم الشهادة وعالم الأفكار. التيار الأفلاطوني الجديد[1] الظاهر بقوة لدى الكثير من التيارات الفلسفية الإسلامية ، الصوفية والمعتزلة خاصة ، يمكن أن يلخص في مبدأين

المفاهيم والتصورات والأفكار موجودة حقيقة ككيان، -
الأفكار أسمى وأعلى درجة من الذوات المخلوقة. -

ابن تيمية يعترض كلية على هذا الطرح ويؤكد أن المفاهيم ليست إلا أفكار في عقولنا نترجمها باستخدام الكلام. فالواقع هو الأسمى ، بداية من الذوات المخلوقة الموجودة في عالمي الغيب و الشهادة ، والأفكار والمفاهيم تأتي بعد ذلك كتمثيل لهذه الذوات وليس العكس

كذلك فان الكلمات والمفاهيم والأفكار أي الكلام عموما هي تمثيل للحقيقة ، سواء كانت تلك الحقيقة مشاهدة أو ملاحظة (سواء بالحواس أو بالتجربة أو بالعقل) أو كانت وحي موحى به، وبذلك فإن بعض الكلام

يتطابق مع الحقيقة وذاك ما يسميه القرآن : الحق ، فعندما ينسجم في نفس إنسان ما الحقيقة والتمثيل بإيمانه بالعقيدة الحقة فانه يحقق "الهدى" ، بمعنى أن الطريقة التي تتصور بها نفسه الكون تتطابق مع حقيقة الكون في حد ذاته. لكنه يوجد كلام آخر ، وهي الخطابات والمعتقدات الكافرة التي تدعي تمثيل الحق لكنها لا تنسجم معه ، فهذه المفاهيم وهذه الأسماء هي إذن التعبير عن الباطل. وهذه حالة الآلهة التي عبدها البشر من دون الله ، فهي ليست إلا أسماء لا تمثل شيئا في الحقيقة

( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) النجم 23.

ابن تيمية أعاد وضع التصميم القرآني للكلام بحيث أن النظرة الإسلامية تقلب رأسا على عقب المثالية الأفلاطونية بتحديده لمبدأين

الأفكار ليس لها وجود حقيقي بمعنى ليست ذات أو كيان -

هي ليست إلا تمثيل للحقيقة ، إذن ، هي أدنى مرتبة من الحقيق -

عبقرية ابن تيمية تتمثل في فهمه أن نقطة الانفصال بين عقيدة الفلاسفة وعقيدة التوحيد تكمن في تحديد مفهومي الواقع والكلام ، و أن هذا الانفصال هو أصل كل باقي الاختلافات الأخرى. هذان المفهومان المختلفان جذريا يشرحان التعارض الجلي والغير قابل للاختزال في عصرنا هذا بين الحضارتين الإسلامية و الغربية والاختلافات الإيديولوجية العميقة بينهما

فمثلا، في الإسلام فان الكلمات ليس لها دور إلا محاولة تمثيل الواقع ، كمثل المرآة التي تعكس صورة شيء ما. ولأن الكلمات ليس لها أدنى تأثير على الحقيقة مثلما ليس لمرآة مكسرة تأثير على وجه من ينظر في خلالها رغم أنها تشوه الصورة بسبب تكسرها. إذن فالمفردات والكلام ليس لهم أي تأثير من قريب أو من بعيد على الحقيقة والواقع.وبالتالي فان أحد أهم أطروحات القرآن أن الكفر بالله ليس له أي أثر نافع أو ضار على الله سبحان وتعالى

"وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ" سورةابراهيم:8

عندما يؤكد الإسلام أن عدم إيمان عدد كبير من البشرية بالله لن يضر الله و أنه غني عنهم ولن يغير شيئا في الواقع، يرتكز الفكر الغربي على النقيض من ذلك، إذ يؤمن بالقوة الخلاقة للأفكاروقدرة المفاهيم على تشكيل الواقع. هذا يشرح أيضا سبب سماح السلطة المسلمة للذميين بالعيش في دار الإسلام دون إجبارية اعتناق الإسلام، لأن كفرهم بالإسلام ليس له أي تأثير على الواقع وبالتالي يتسامح مع هذه الأقليات

عكس هذا،العالمية الفرنسية[2] تفرض على مواطنيها إيمان كامل وتام بـ "قيم الجمهورية"[3] و بـ"حقوق الإنسان"[4] و بـ"الديموقراطية"...الخ. ولن تتسامح مع أي معارضة إيديولوجية/فكرية ، حتى ولو كانت خارج نطاق أراضيها.

وبما أن الفكر الفلسفي (الإغريقي الجذور) يعرف المفردات ، التعاليم والقيم على أنها أعلى وأسمى من الحقيقة المحسوسة ، فان الغربيين يعتبرون مجرد التعبير عن عقائد مخالفة سينجم عنه انهيار لكامل نظامهم الإيديولوجي.وبفضل مفهوم هذه العلاقة بين المفهوم من جهة والواقع من جهة أخرى أنتج الغرب عقائده السياسية التي يحاول تصديرها للعالم[5]. فــ "الدستورية"[6] أو "حقوق الإنسان" هي نتاج الاعتقاد انه يوجد مفاهيم كبرى ، سامية وثابتة غير قابلة للتغيير و قديمة موجودة قبل الكون والتي يجب أن توجه حركة البشر سواء حركتهم السياسية أو الأخلاقية ، هؤلاء الغربيون أنفسهم يرتبكون من النص القرآني الراسخ في الواقع التاريخي. فهناك الكثير من الآيات القرآنية تتحدث وتصف أحداث معاصرة لنزولها أو نزلت متحدثة عنها ، ولم تبقى محدودة في إعلان مفاهيم رنانة وغير متجسدة

وتوافقا مع القاعدتين المذكورتين آنفا ، فالقرآن بكونه كلامفليس دوره استباق الواقع ولكن التعبير عنه لاحقا وجعله أكثر وضوحا وفهما. إذن فإننا نستطيع أن نقول أن هناك الواقع التاريخي (الوقائع) للإنسان ثم يأتي الكلام الموحى به (القرآن) فيما بعد لجعل ذلك الواقع مفهوما للنفس البشرية

النظرة القرآنية يمينا والنظرة الفلسفية شمالا

أحد أهم الأفكار الكبرى التي تناولها ابن تيمية في هذا المصنف هي أن تهمة التجسيم/التشبيه التي يطلقها العقلانيون/ المناطقة على وصف الله تعالى في القرآن ليست إلا نتيجة مباشرة لنظرية الأفكار لأفلاطون. فحيث أن العقلانيون المسلمون ، وتحت تأثير الفلسفة الإغريقية ، يعتبرون أن الأفكار والكلمات تستطيع أن تشكل "أشياء" واقعية وموجودة ، إذن فمجرد إطلاق نفس الوصف على ذات الله تعالى وعلى مخلوق سوف يعني ضمنا وجود علاقة مشتركة بينهما تفسر مباشرة على أنها " تشبيه" أو "تمثيل". أعطى ابن تيمية مثال ذلك ، الفرق الباطنية المتنطعة مثل فرق الإسماعيلية [7] الذين يذهبون إلى حد القول أنه "من الكفر القول أن الله موجود" ، لأنه وبحسبهم فان صفة " الوجود" يمكن أن يتصف بها كل مخلوق و من قال ذلك فقد شبه الله بخلقه. ابن تيمية ورفضا لنظرية الأفكار هدم حججهم من أركانها "الأفكار والمفاهيم ليس لها وجود إلا في تصوراتنا أي في عقولنا" وظل يكرر ذلك طوال عرضه. وعلى أسس هذا الطرح وصل إلى تأصيل "نظرية المتشابهات"

فإذا كانت الكلمات أدنى مرتبة من الذوات ، وإذا كانت مجرد تمثيل للواقع وليس العكس ففي هذه الحالةتستطيع كلمة/مفردةواحدة التعبير عن شيئين دون أن يكون هذا التشابه في اللفظ مفضيا للاشتراكفيما عداه. وبما أن الأفكار ليس لها وجود في الواقعلذا فإنه لا ينتج عنه تواطئ[9] بين الذوات المشتركة في نفس الصفة/ الصفات.

هل رب الفلاسفة هو نفسه رب الأنبياء ؟

في الحقيقة وعند النظر في السنة فإننا نجد بعض الأحاديث النبوية التي يمكن أن يحمل معناها على وجود في الواقع بعض "المفاهيم" في الآخرة. منها "الموت" ، ففي هذه الدنيا الفانية الموت ليس إلا مفهوم مجرد يصف توقف الوظائف الحيوية عند كائن ما ، لكن في الحديث الذي عند البخاري[10] فانه يوم القيامة يؤتى "بالموت" فـ " يذبح" ، يمثله الله على شكل كبش محسوس ، وتمثيل المعنويات بالمحسوسات كثير يوم الآخرة. إذن سوف يكون " موت الموت". لأن أهل الجنة سيخلدون في الجنة وأهل النار سيخلدون في النار. وهناك بعض الأحاديث الأخرى التي تصف أحوال القبر أين يلتقي الموتى أعماله الصالحة على هيئة رجل حسن المظهر أو يلتقون بأعماله السيئة على هيئة رجل شاحب. فيظهر هنا أن بعض المظاهر من المثالية الأفلاطونية تقرها السنة لان بعض المفاهيم سيكون لها وجود محسوس في واقع أسمى هو يوم الآخرة أو في واقع برزخي هو القبر.

لكن النظرية الأفلاطونية الحديثة ، من جهة أخرى ، تصف مفهوم "الخير" على أنه المبدأ/الأصل السامي الذي يوجه جميع الأفكار. بعض الفلاسفة والعقلانيين المتعصبين جعلوا "الخير" كمفهوم مشابها وموازنا لله سبحانه وتعالى وحيث أن الإسلام يرفض قطعيا هذا التصور لأنه يعطي الله صفات خاصة به ، فان هذه النقطة تعتبر نقطة الافتراق بين التيارات العقلانية والتيارات الإسلامية التقليدية

إذا كان ابن تيمية قد انتقد انتقادا جذريا نظرية الأفكار ، فلأنه يعتبرها مصدر كل هذه الانحرافات وتبعاتها أكثر مما نتصور. وفي الحقيقة كنتيجة أخرى وعلى المستوى الإيديولوجي فإن النظرة الأفلاطونية للإله تختلف بشكل كبير عن نظيرتها الحنيفية. وبكلمة واحدة : إله أفلاطون والفلاسفة ليس هو إله الرسل و الأديان المنزلة. و أولائك ، سواء كانوا يهودا ابتداء أو نصارى ثانيا أو مسلمين ثالثا ، يحاولون التوفيق بين العقيدتين من خلال إصرارهم على التوحيد الظاهر لأول وهلة لدى الفلسفة الإغريقية (اليونانية) ومبقين على الوهم الذي يقول أن اله أفلاطون واله التوحيد ، هم سواء

في الحقيقة فإن أفلاطون وفي كتابه طيماوس[11] ذكر ربا خالقا لهذا الكون يقترب من الله المذكور في الكتاب المقدس وفي القرآن ، لكن في الحقيقة اله الفلاسفة ليس هو اله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، بل هو اللوغوس/اللوجوس أو الكلام[12]وهو اله غير شخصي أو معنويتم تقليصه إلى مفهوم بسيط أي هو الكلام المجرد من دون لغة ، وهو متوج فوق الأفكاربمعنى أنه أعلى وأسمى منها. لأنه إذا بحثنا في الجذور البعيدة للمثالية الأفلاطونية ، إلى الأصول الوثنية و الغنوصية [13] التي أنتجتها فإننا نجد التفريق بين اللوغوس/الكلام وبين الديميورغوس[14].

وبحسبهم فإن الله خالق السماوات والأرض الذي له الأسماء والصفات العلى ليس إلا الرب الذي خلق عالم الشهادة (العالم المادي) ، وبما أن الأفكار أسمى من الواقع و الحقيقة بحسبهم طبعا ، فهم يعتقدون أن الإله الأسمى والأعلى ليس إلا اللوغوس نفسه أي الكلام في حالته المجردة[15]. فعقيدة أفلاطون هي أن هناك رب خالق لهذا الكون ، سيد للعالم المادي الذي صمم العالم على صورة نموذج سالف وقديم هو عالم الأفكار ، كما يصرح هو بنفسه بذلك في كتابه الطيماوس

"عندما رأى الأب العالم الذي صممه على صورة الآلهة الخالدة يتحرك ويعيش ، سعد بذلك وفي خلال فرحته ، فكر ان يجعله أكثر مشابهة لنموذجه.".

هذا الرب الخالق ، بحسب أفلاطون ، وهو أدنى مرتبة من "مفهوم الخير" سيد عالم الأفكار ، الذي أنتج الواقع بالانبثاق ويعرفبنفسه عن طريق عملية عكسية منطقية/جدلية حيث يقول أفلاطون في كتابه الجمهورية

" بالنسبة لي فهذا رأيي : في عالم الإدراك ففكرة الخير فهمت هي الأخيرة وبصعوبة ، ولكن نستطيع أن نفهم ودون أن نختم أنها سبب كل العدل والجمال في كل شيء ، وأنها في العالم المرئي ، ولدت الضوء وسيد الضوء ، وأنه في عالم الإدراك فهي التي تملك السيادة والحقيقة والذكاء.".[16]

هذا التفريق بين الإله الخالق وبين الإله الفلسفي هو مناط الاتقاء مع نظرية الأفكار. وسنفهم إذن لماذا كان الأنبياء المذكورون في القرآن يؤكدون لأقوامهم أن ما يعبدون هو الإله "الذي خلق السماوات والأرض" ، أو لماذا يؤكد القرآن أن رب العالمين هو "خالق كل شيء"

"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" سورة اقرأ-01.

في الرسالة الثانية ، يعود ابن تيمية لمفهوم التوحيد مؤكدا أن التوحيد الخالص لا يعني فقط الإقرار باله خالق لأنه حتى الوثنيون يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض

"الله أعلمنا أن المشركين يقرون أنه الخالق الوحيد للكون: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" الزمر-38."

استخلص ابن تيمية أن الإقرار لإله خالق لا يكفي ليكون الإنسان موحدا ، وأن عين التوحيد يقتضي إخلاص العبادة لله ، خالق كل شيء. لكن أفلاطون ، كما جميع كهنة العقائد الباطنية المشركة ، يقرون بوجود اله خالق ولكنهم يخلصون العبادة لإله آخر ، هاهنا وفي الفكر الفلسفي الإله هو " فكرة الخير السيدة"

هذا الإله المجرد المغاير للإله الخالق ، وكما رأينا في النص المقتطف من كتاب الجمهورية لأفلاطون ، يعتبر هو الإله الأعلى والأسمى

وبهذا نستطيع أن نرى أن المشكل أكبر من مجرد معرفة هل يجب فهم تلك أو هذه الصفة لله المذكورة في القرآن على الظاهر أو المجاز ، بل يتعدى الأمر لنسأل السؤال: عن أي اله نتحدث ؟ و هل نعتقد ملة إبراهيم أم ملة الفلاسفة الوثنية العالمية والتي تعتبر الفلسفة الإغريقية أحد أوجهها ؟

ونتيجة لهذا ، فان الفرق والتيارات الصوفية الغالية الإتحادية[17] المرتبطة بابن عربي[18] تدافع عن تعريف لله بعيد كل البعد عن الله الخالق منزل القرآن. فإلههم المجرد ولد العالم بالانبثاقو يعرف نفسه للمطلعين ببواطن الأمور عبر عملية يلغي فيها هؤلاء من وعيهم وإدراكهم السمات المحسوسة للوصول إلى رفع الحجاب على الطريقة الأفلاطونية التي روى فيها باستخدام الاستعارة حكاية فيلسوف لجأ إلى كهف منزويا عن العالم المادي المضلل متمكنا من الحقيقة الغير محسوسة حتى وصل إلى الفكرة الأسمى للخير بواسطة عملية جدلية/منطقية[19]. ومن المعروف أن ابن عربي ، الملقب بـ"إبن أفلاطون" ، قام فقط بنقل للفلسفة الأفلاطونية بصبغة إسلامية حيث يقول صوفي معاصر: "وأما وحدة الوجود الحلولية التي تجعل من الله كائنا يحل في مخلوقاته أو الاتحادية بالمعنى المفهوم خطا تلك التي تجعل من الكائن الفاني شخصية تتحد بالموجود الدائم الباقي المنزه عن سائر النسب والإضافات والأحياز الزمانية والمكانية المحدثة أو يتحد به شيء منها فإنها مذهب هندي أو مسيحي وليس بإسلامي ولا يعرفه الإسلام، استمده أهل الشذوذ في التصوف الإسلامي من الفلسفة البائدة، وغذوا به مذهبهم الشاذ بفكر أفلاطونية وآراء بوذية وفارسية عن طريق الفارابي وابن سينا، حاله أن المتتبع لحياة الحلاج ومؤلفات السهروردي وابن عربي يرى أنهم تأثروا بالمتفلسفة المسلمين الذين أخذوا عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة و الأرسطو طاليسية"[20]

وبالرغم من كل هذا ، فهذا لا يعني أن التيارات العقلانية الوسطية كالأشاعرة تعبد إلها وثنا وليست بموحدة ، لكن تأثير الفلسفة الإغريقية ، حتى ولو بشكل غير مباشر ، تدفعها للاعتقاد أن التجرد من مميزات الذات الإلهية. وكذلك فان هذه التيارات المتأثرة بالفلسفة تعتبر سمو وعلو الله إنما هو من آت من معنويته وتجرده من كل صفة أي أنه يدرك بالذهن لا بالحواس ، لذلك هي ترفض ان يوصف الله بأنه "سميع بصير" أو "استوى على العرش" أو "وجه الله". فهم لا يفهمون ولا يطيقون هذه الصفات القرآنية لأنها تناقض علو المجرد على المحسوس.

ابن تيمية وطوال كل عرضه عارض أسس نظرية الأفكار نفسها ، كما بين في مصنفه هذا أن المعنوية و التجرد ليستا أبدا صفات كمال وعلو وسمو ولكن بالعكس : صفات للعدم. وظل يطرح السؤال : هلا أخبرتنا عن الفرق بين الإله والرب الذي تصفه وبين المعدوم ؟ وبين أن كل اسم وكل صفة لله في القرآن ، إنما هي شاهد على جلاله وعظمته الكاملة على العالم



كتبه : أبو سليمان الكعبي/ ترجمه : علي بن شهاب

محرم 1440/ سبتمبر 2018

_________________________________________________________________

[1]  وجه فكر فلسفي ظهر في القرن الثاني في التقويم النصراني
[2]تيار فلسفي وسياسي فرنسي خالص يرى ان نظام اعتقاده اعلى وأسمى من البقية ويصلح كنموذج لكل البشرية -أنظر "الايديولوجيا الاسلامية الفرنسية" لعصام آيت يحي.
[3] يمكن اختصار مجموعة القيم هذه في اللائكية و القومية و فلسفة التنوير و الحريات الفردية والليبرالية والديمقراطية ...الخ
[4] حقوق الإنسان بمعنى أن الإنسان له الحق في اختيار سواء كان قبول أو رفض ما يريده من معتقدات وعادات وتوجهات فكرية وسياسية ..الخ دون تدخل أي دين طالما هذا الاختيار لا يضر بالحريات الفردية ولا يضر بأمن الدولة التي يعيش فيها ، وبمعنى آخر فان الإنسان هو رب واله نفسه.
[5] أنظر كتابنا " الرسالة التدمرية" ترجمة أبوسليمان الكعبي.
[6] الدستورية هي نظرية في القانون تنص على أنه يجب ضمان السلطة السيادية والحقوق الأساسية بموجب دستور مكتوب. وتستند إلى التفوق الممنوح للدستور في التسلسل الهرمي للقواعد القانونية وتفوقه على القانون على وجه الخصوص- أنظر "نصوص سياسية" لأبو سليمان الكعبي.
[7] الإسماعيلية فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا. ذكر ابن تيمية معتقدهم في الله فقال : "وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين وهذا ممتنع في بداهة العقول وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات".
[9] قسم الغزالي الألفاظ بالنسبة الى المعاني اربعة أقسام منها المتواطئة وهي التي تدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها كدلالة اسم الانسان على زيد وعمرو
[10]عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ .
[11] طِيمَاوُس هي إحدى محاورات أفلاطون. كتب حوالي عام 360 قبل الميلاد .فيها يُتناول موضوع الطبيعةونشأة الكونوالخالق. نقلها إلى العربية يوحنا الترجمان مولى الخليفة المأمونومن بين المشاركين في الحوار سقراط، تيماوس من لوكري، هرموكراتس، كريتياس.
[12] كثر اللغط حول هذا اللفظ وبإيجاز وهو تعريب من اللغة اليونانية لكلمة الكلام.
[13] الأغنوصية هي تعريب لمصطلح (Gnosticism) الإنكليزي والذي يعود لكلمة ( لغنوستسكوس) اليونانية والتي تعني "ذوي المعرفة". اختلف العرب في ترجمتها إلى العربية ومن المصطلحات الرديفة: "العرفانية" ، "المعرفية" و الغنوصية" ،"الروحية"، "الأدرية"، "مذهب العرفان" و"الإدراكية".
[14]مصطلح "خالق الكون المادي" هو تعريب لكلمة "ديميورغ" (Demiurge) الإنكليزية التي مصدرها كلمة (ديميورغوس) اليونانية والتي تعني حرفيا "الحرفي". وكان أفلاطون أول من استعملها في عام 360 ق.م. في عمله المسمى "طيماوس" وكان دوره هو خلق العالم المادي.
[15] في الحقيقة وعند الناظر الحذق فانه هؤلاء الفلاسفة ظاهرهم التوحيد وحقيقتهم الوثنية فهم يعبدون مفاهيم مجردة ليس لها وجود في الواقع
[16] Platon. La république. Flammarion, 1966. Livre VII, p276.  
[17] فصل فيهم ابن تيمية فقال " وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين: من جهة أن أولئك قالوا أن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره (والثاني) من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا ذلك سارياً في الكلاب والخنازير والقذر والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قال (لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم) الآية. فكيف بمن قال أن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟".
[18] محيي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي، أحد أشهر المتصوفين، والملقب عندهم بـ (الإمام الأكبر والكبريت الأحمر أو إمام العارفين محيي الدين ابن العربي).
[19]وإذا دققنا في آراء الأفلاطونية الحديثة وجدنا أن الصوفي الزاهد الذي غض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية، وتعلق خاطره بما هو خالد. يشعر بلذة الرضا في فلسفة أفلوطين. بل يحصل على منتهي  غايته في تلك الآراء، وموضوع وحدة الوجود في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة جذب أنظار الصوفية أكثر من أي شيء آخر لأن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى  وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذات الله فيها إلا أن المرايا كلها ظاهرة، والوجود المطلق والموجود الحقيقي هو الله. وينبغي على الإنسان أن يسعى حتى يمزق الحجب ويجعل نفسه محلا لتجلي جمال الحق الكامل ويبلغ السعادة الأبدية.
[20] جمهرة الأولياء وأعلام اهل التصوف ، المنوفي الحسيني ، (1/292) ، ط القاهرة.

Laisser un commentaire

*
**Not Published
*Site url with http://
*
Produit ajouté au comparateur